محمد الريشهري
187
موسوعة الإمام علي بن أبي طالب ( ع ) في الكتاب والسنة والتاريخ
ومعدنه ومعانيه ، لا يشكّ عدوّ ولا صديق أنّه أشرف خلق الله نسباً بعد ابن عمّه صلوات الله عليه . وقد حصل له من الشرف غيرَ شرف النسب جهاتٌ كثيرة متعدّدة ، قد ذكرنا بعضها ، ومع ذلك فكان أشدّ الناس تواضعاً لصغير وكبير ، وأليَنهم عريكةً ، وأسمحهم خُلقاً ، وأبعدهم عن الكِبْر ، وأعرفهم بحقّ ، وكانت حاله هذه في كلا زمانيه : زمان خلافته ، والزمان الذي قبله ، لم تُغيّره الإمرة ، ولا أحالت خُلُقه الرياسة ، وكيف تُحيل الرياسة خُلقه وما زال رئيساً ! وكيف تغيّر الإمرة سجيّته وما برح أميراً ! لم يستفِد بالخلافة شرفاً ، ولا اكتسب بها زينة ! بل هو كما قال أبو عبد الله أحمد بن حنبل ، ذكر ذلك الشيخ أبو الفرج عبد الرحمن بن عليّ بن الجوزي في تاريخه المعروف بالمنتظم : تذاكروا عند أحمد خلافة أبي بكر وعليّ وقالوا فأكثروا ، فرفع رأسه إليهم ، وقال : قد أكثرتم ! إنّ عليّاً لم تزنه الخلافة ، ولكنّه زانها . وهذا الكلام دالّ بفحواه ومفهومه على أنّ غيره ازدان بالخلافة وتمّمت نقصه ، وأنّ عليّاً ( عليه السلام ) لم يكن فيه نقص يحتاج إلى أن يُتممّ بالخلافة ، وكانت الخلافة ذات نقص في نفسها ، فتمّ نقصها بولايته إيّاها . ومنها : أنّ الغالب على ذوي الشجاعة وقتل الأنفس وإراقة الدماء أن يكونوا قليلي الصفح ، بعيدي العفو ؛ لأنّ أكبادهم واغرة ( 1 ) ، وقلوبهم ملتهبة ، والقوّة الغضبيّة عندهم شديدة ، وقد علمت حال أمير المؤمنين ( عليه السلام ) في كثرة إراقة الدم وما
--> ( 1 ) الوَغَر : الغِلّ والحرارة ( النهاية : 5 / 208 ) .